محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
245
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي عالم بكلّ شيء لا يخفى عليه شيء ؛ وهذا لا يدلّ على أنّ كلّ معلوم يجب أن يكون شيئا ، بل كلّ شيء يجب أن يكون معلوما . قال القفّال « 1 » في قوله : اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يحتمل أن يكون [ المراد ] بها الجمع ؛ ويحتمل أن يكون المراد به الشيء العالي الذي منه خلق السماوات ؛ فيكون المعنى على الوجه الأوّل : ثمّ قصد لخلق السماوات ، فجعلها سبعا على ما هي عليه ؛ وفي الوجه الثاني : ثمّ قصد إلى الدخان العالي المرتفع فوق الأرض ، فخلق منه سبع سماوات ؛ ومجاز هذا الوجه ثمّ استوى إلى ما كان يصير في العاقبة سماء ، فسوّاه سماوات سبعا ؛ وقد يقال للرجل تدفع إليه العمل : اعمل هذا الثوب ؛ فيسمّى ثوبا قبل النسج ، وقيل : هذا خطاب وقع بعد خلق السماء ؛ فيكون المعنى : ثمّ قصد إلى السماء التي ترونها . الأسرار قال الذين عندهم علم القرآن : ليس شيء من تأويلات المتكلّمين ما يناسب معاني القرآن ، ومن عرف لسان القرآن بتعريف أهله لم يشتبه عليه شيء من متشابهاته ومحكماته ؛ فلا الخلق في القرآن على معنى ما اصطلح عليه المتكلّم وهو الإيجاد بعد العدم ، ولا الإحداث في قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ بمعنى الموجد عن عدم ؛ ولا القديم في قوله : كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ بمعنى ما لا أوّل لوجوده ، ولا الْحَيُّ الْقَيُّومُ * بمعنى أنّه حيّ بحياة أو حيّ بذاته ؛ وكذلك سائر الأسامي والصفات ، بل تلك اصطلاحات أخر أخذوها من الفلاسفة ونقلوها من كتبهم واصطلحوا عليها إمّا على اصطلاحهم أو على غير ذلك . والسلف كلّهم تنكّبوا تلك العبارات ، وأهل القرآن عرفوا لسان القرآن ، فلم يجر على خاطرهم ما يوجب تشبيها أو تعطيلا ، ولا على لسانهم ما يقتضي غلوّا أو تقصيرا ، وليس في لفظ الاستواء على العرش أو الاستواء إلى السماء كثير إشكال لم يوجد في المجيء والإتيان والشغل والفراغ والرضا والسخط وغيرها ، وإنّما الإشكال فيها أنّه ابتدأ بخلق ما في الأرض
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .